ابن ميثم البحراني
103
شرح نهج البلاغة
وما بعده في غاية الاضطراب . الخامس : والأقلام جارية : أي أقلام الحفظة ، وفائدة الإعلام بالعمل في حال جريان الأقلام التنبيه على وقت الأعمال الخيريّة وإمكانها حين تكتب وترفع إلى اللَّه : أي فاعملوا في الحال المذكورة ما دامت أقلام الكرام الكاتبين جارية لتكتب أعمالكم . المقصد الثالث : حثّهم على المبادرة إلى الأعمال الخيريّة باعتبارات : أحدها : أنّ أعمارهم الَّتي هي محل الأعمال في معرض الانتكاس والرجوع إلى الحالة المنافية للتكليف وهى الهرم المستلزم لضعف العقل والبنية ونقصانهما والرجوع إلى حال الطفل في ذلك كقوله تعالى « ومَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ » ( 1 ) فينبغي أن يبادر ذلك بالأعمال الصالحة الممكنة فيه . الثاني : أنّ أبدانهم في معرض التغيير والتبديل بالصحة الَّتي هي مظنّة العمل مرضاً وهو مظنّة بطلان العمل وامتناعه فينبغي أن يبادر الصحّة بالعمل قبل الحبس عنه بالمرض . الثالث : أن يبادر ما هو أعظم من ذلك وهو الموت الَّذي لا بدّ منه ، واستعار لفظ الخالس له باعتبار أخذه للأعمار على غرّة وغفلة من أهلها كالمختلس للشيء عن يد غيره . ثمّ نبّه على وجوب العمل للموت ولما بعده بأوصافه المخوّفة : أحدها : كونه هادم لذّاتهم الدنيويّة وهو ظاهر ، ونحوه قول الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : أكثروا من ذكر هادم اللذّات . الثاني : كونه مكدّر شهواتهم . الثالث : كونه مباعد طيّاتهم ، واستعار لفظ الطيّات لمنازل السفر إلى الآخرة بالموت عن الدنيا وأهلها فإنّ الآخرة أبعد منزل عن الدنيا . الرابع : استعار لفظ الزائر باعتبار هجومه على الإنسان ، ولمّا كان من شأن الزائر أن يكون محبوبا ميّزه بكونه غير محبوب لتحصل النفرة عنه وتفرغ
--> ( 1 ) 36 - 68 .